الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

10

تفسير روح البيان

عرفانية مستدعية لمفعول واحد والضمير لأهل مكة اى ألم يعرفوا بمعاينة الآثار وسماع الاخبار كَمْ عبارة عن الاشخاص استفهامية كانت أو خبرية أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ من متعلقة باهلكنا والمراد من قبل خلق أهل مكة أو من قبل زمانهم على حذف المضاف وإقامة المضاف اليه مقامه مِنْ قَرْنٍ مميز لكم عبارة عن أهل عصر من الاعصار سموا بذلك لاقترانهم برهة من الدهر كما في قوله صلى اللّه تعالى عليه وسلم ( خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) وأراد بالقرن الأول الصحابة وبالثاني التابعين وبالثالث تابع التابعين وقيل هو عبارة عن مدة من الزمان ثمانين سنة أو سبعين أو ستين أو أربعين أو ثلاثين أو مائة فالمضاف على هذا محذوف اى من أهل قرن لان نفس الزمان لا يتعلق به الإهلاك مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ استئناف لبيان كيفية الإهلاك وتفصيل مباديه مبنى على سؤال نشأ من صدر الكلام كأنه قيل كيف كان ذلك فقيل مكناهم وتمكين الشيء في الأرض جعله قارا فيها ولما لزمه جعلها مقرا له ورد الاستعمال بكل منهما فقيل تارة مكنه في الأرض وأخرى مكن له في الأرض حتى اجرى كل منهما مجرى الآخر ومنه قوله تعالى ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ بعد قوله تعالى مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ كأنه قيل في الأول مكنا لهم وفي الثاني ما لم نمكن لكم وما نكرة موصوفة بالجملة المنفية بعدها والعائد محذوف محلها النصب على المصدرية اى مكناهم تمكينا لم نمكنه لكم ويحتمل ان يكون مفعولا به لمكناهم على المعنى لان معنى مكناهم أعطيناهم اى أعطيناهم ما لم نعطكم وَأَرْسَلْنَا السَّماءَ اى المطر أو السحاب عَلَيْهِمْ متعلق بأرسلنا مِدْراراً مغزارا اى كثير الدرور والصب وهو حال من السماء قال ابن الشيخ المدرار مفعال وهو من أبنية المبالغة للفاعل كامرأة مذكار ومئناث وأصله من در اللبن درورا وهو كثرة وروده على الحالب يقال سحاب مدرار ومطر مدرار إذا تتابع منه المطر في أوقات الاحتياج اليه وَجَعَلْنَا الْأَنْهارَ اى صيرناها تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ اى من تحت أشجارهم ومساكنهم وقصورهم والمعنى أعطيناهم من البسط في الأجسام والامتداد في الأعمار والسعة من الأموال والاستظهار بأسباب الدنيا في استجلاب المنافع واستدفاع المضار ما لم نعط أهل مكة ففعلوا ما فعلوا من الكفران والعصيان فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ اى أهلكت كل قرن من تلك القرون بسبب ما يخصهم من الذنوب فما اغنى عنهم تلك العدد والأسباب فسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب وَأَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ اى أحدثنا من بعد إهلاك كل قرن قَرْناً آخَرِينَ بدلا من الهالكين وهو لبيان كمال قدرته تعالى وسعة سلطانه وان ما ذكر من إهلاك الأمم الكثيرة لم ينقص من ملكه شيئا بل كلما أهلك أمة أنشأ بدلها أخرى يعمر بهم بلاده ومن عادته تعالى اذهاب أهل الظلم بعد الامهال ومجيئه باهل العدل والانصاف ونفى أهل الرياء والسمعة واثبات أهل الصدق والإخلاص ولن يزال الناس من أهل الخير في كل عصر وعن أبي الدرداء رضى اللّه عنه أنه قال إن للّه عبادا يقال لهم الابدال لم يبلغوا ما بلغوا بكثرة الصوم والصلاة والتخشع وحسن الحلية ولكن بلغوا بصدق الروع وحسن النية وسلامة الصدر والرحمة بجميع المسلمين اصطفاهم اللّه